لم أكن أعرف ما هي الجاذبية حتى خطوت أولى خطواتى داخل مجاله المغناطيسى فأصبحت لا أملك التحكم فى تصرفاتى سواء بالابتعاد أو الاقتراب و أحيانا بالوقوف مكانى كأننى رأيت قديساً أو إلهاً لا استطيع بل ولا يحق لى أن أبعد نظرى عنه .. أو فى التصرف كالحمقاء فى بعض الأحيان فقط للفت انتباهه
كانت لديه هاتين العينين اللتان إذا نظرتا إلى
تجعلان قلبى يقفز خافقا "أنه هو..." , ذلك الشعر الكثيف اتخذت كل خصلة
منه اتجاهاً غير مجاورتها, ملابسه
المبعثرة التى تخبرك أنه إما ارتداها فى الظلام أو أنه
مصاب بإحدى أنواع عمى الألوان, حذائه الرياضى تقسم لك الأتربة المتراكمة عليه أن
الماء لا تعرف له طريقاً .. كل شيئ فيه أخبرنى أن الجمال يختلف كثيراً عن أى شيئ
عرفته قبل أن تقع عينى عليه
كنت قد تركت محاضراتي وذهبت لأريح رأسي بعد أن شعرت بالدوار من هذه المناقشات العبثية عن كيفيه علاج مرضى القولون العصبي .. منتهى العبثية
تركتهم في رائحة الدم والفضلات التي تملأ العنبر و نزلت لأريح رأسي و أحتسي عصير الجوافة المفضّل لدي في كافيتيريا الكلية
جلست استرق النطر فيمن حولي
كان هذا حينما اكتشفت انني قد بلغت من العمر ثلاثة وعشرون عاماً ولم أكن أعرف حتى رأيته كيف تكون الجاذبية
هنا انتهى بى المطاف على كرسى وحيد .. فى إحدى أركان ذلك المقهى الذى اعتاد الجلوس
به وأنا أشرب قدحا من القهوة, أتوقف بضع ثوانى كلما اقترب أحدهم من الباب فأنظر
نحوه .. ليخفق قلبى قليلا .. و تخيب آماله سريعا
فهل يا ترى يتمتع باقى البشر كلٌ بجاذبيته الخاصة أم أن هناك بعض الأشياء فى هذا
الكون لا تتكرر .. لا أعرف عنه شيئاً, تجرأت وافترضت له أسماً وسرعان ما أصبحت خبيرة
فى تقاسيم وجهه وانحنائاته, اتساع عينيه وزوايا أنفه .. انفعالاته
يقترب شخص آخر .. فأحرك عينى نحوه مرة أخرى .. وأخرى .. وأخرى, وأعود كل مرة لآخذ
رشفة من ذلك القدح الدافئ أمامى الذى أقوم وأتركه وحيدا كما أنا .. بأحد أركان ذلك
المقهى الذى لم يأتى إليه اليوم
ذهبت مرارا حتى اعتادتنى وصارت ترحب بى المقاعد التي هناك
فهى تعرف ما أنتظر, بل و بدى لى أن هناك ما
تريد اخبارى به, لكنها لا تعرفنى .. لست أنا تلك المرأة التى تنتظر الأقدار, بل
اعتادت الأقدار أن تنتظر نتيجة تصرفاتى
أعرف مَن مِن اصدقائى يلقاه .. ونويت وقتها أن ألقاه أنا الاخرى دوما فلعل هذه هى الطريق
وقد كان
ليس هناك ما يسيئ لبياض الثلج إذا ظلت ترمق التفاحة الحمراء فى إعجاب لأنها بالفعل شهية المنظر لكننا
كلنا نخشى أن تموت مع أول قضمة
مرت كلماته على أذنى فشعرت وكأننى مع بيتهوفن يعزف لى فى غرفته الخاصة بعد أن مضيت
قرونا لا أسمع سوى ما يعزفه
الآخرون من مقطوعاته, يتجاذب الكل أطراف الحديث أمامى وما من كلمات تعرف طريقها
إلى سوى كلماته, تداعب نبرات صوته قلبى فيبتسم, وكان إذا وجه حديثاً إلى لا أدرك شيئا سوى سرعة تصاعد
الدماء إلى وجنتى .. كم كان يقتلنى جسوره
قررت أن أتذوق تلك التفاحة أملا فى أن تكون صاحبتها هى سيدة عجوز طيبة القلب ليس إلا .. وكانت أول مبادرة
له حينما دعانى لتناول الغذاء معه, ارتبكت قليلا وتصارعت خطواتى مابين احداهن
مرحبة وأخرى مذعنة .. ولكنى كنت قد قررت بالفعل أخذ أول قضمة, ولأجل فضولى لم أدرك
كيف تسرب ذلك السم الى خلايا قلبى حتى وجدته مريضا عليلا يحتاج ألى صوته ورؤيته
كجرعة يومية تدفعه للقيام بوظيفته فى نشر الدماء داخل شراينى .. وقد كان
هاتفه يرن .. أو هاتفى .. نعم أريد .. حسنا سأكون هناك فى خلال دقائق
سجّلت كل كلمات فمه و كل ما أعرف عنه
ما يحب وما لا يحب .. ما يرتدي و ما يشرب و أين يذهب و .. ما نوع معجون أسنانه .. نعم كنت أعلم
كنت أعلم كل شئ
كنت أعلم
مع غموض الأحداث لم أدرك سرعتها, و قد كان هناك شيئ ما حيال الأماكن يجعلها تبتسم
لى كلما رافقته, فاعتدت مرافقته
شئ ما حيال
وجهى فى المرآة يجعله يبدوا مضيئا إذا كنت على موعد معه
فاعتدت على
مواعدته
يأتى الربيع فى طيات ثيابه المبعثرة و يخرج فراش كثير
من بين خصلات شعره
فراشات كثيرة ملونة لا يبدوا ان هناك من يراها سواي
علمت انني قد فقدت عقلي
لم يمنع كل هذا صوت الجزء الذى مازال عاقلا فى داخلى ليخبرنى بأنه سيدير ظهره
لأعرف ان تلك السيدة العجوز ليست سوى ثعلب فى ثياب جدتى .. وقد يلوم البعض ذات الرداء الأحمر
لكنى مازلت أحبها
لم أكن أعرف بما أسمى تلك العلاقة التى تجمعنا, فلم تكن إعجاباً من طرفين وحتمـــا لم
تكن من طرف واحد, فقد كانت لديه إذا بكيت تلك النظرة الحزينة التى تسلب قلبى
وإذا جلست أتحدث أمامه نظرة أخرى تحمل الكثير من الحب
وهذا لا يشبه فى أى شيئ تلك النظرة التى يرمقنى بها إذا قرأت له أحد قصائدى فيجلس
أمامى وكأنه فتى يراقب جميع أحلامه وهى تتحقق
أن تكون امرأة جميلة فهذا شعور جيد .. لكنه لا يضاهى فى شيئ أن ترى جمالها فى من
تحب حتى
وإن لم تكن كذلك
على عكس كل هذا .. كانت تصرفاته فى بعض الأحيان تحلف لى برأس أبيها اننى كغيرى من
الفتايات لست شيئا .. أكثر من صديقة مقربة
بل وأنه كان يثبت لى
أحيانا اننى لست كذلك صديقتة بل صديق لا يحمل شيئا من صفات الأنوثة وأن أى كائن
ذو شعر طويل يكون قادر على لفت انتباهه طالما ليس أنا
افقدتنى تناقضاته اتزانى .. لم يكن هذا محتملا طيلة الوقت لكنى لم أود ان افسد رائحة
الحياة التى امتزجت
بها أيامى بعد غياب طويل
وحتما سيكون للغروب طعما مختلفا معه
كان غاضبا .. ربما لأنه كان يعرف ما على وشك أن يحدث, فعَلَت أمواجه لتقذف بعض قطرات
المياه على وجهى وأحببت هذا
لكنه مد يده ليمسح ما تركه الموج على وجنتى, ارتعشت نبضاتى فأزاحت اصابعه خصلات
شعرى التى دفعها الهواء نحوه أملاً فى أن يعانقها
اصبحت أبصر ملامحه فى وضوح .. كأننى اراها لأول مرة
اقترب أكثر .. فزادت
معرفتى بشكل عينيه .. بل لم أعد أبصر سواهما
سكن البحر الغاضب وكأنما حوتاً ابتلعه
اصبحت الآن لا أبصر شيئا على الاطلاق
حينها لمستنى شفتاه
و حدث بعد ذلك
أن ....
انتهى كل
شئ
فقط انتهى
مثل الريح