السبت، 30 يونيو 2018

غرفة طبيب الاستقبال بمستشفى الحمام المركزي

لويت رقبتي للخلف سريعاً و مشيت عكس الجموع، ونسيت للحظة طلب الأجازة و دفتر التأمين الذي في يدي
كان خلفى، بوسامته و نحوله و شروده و سيجارته، بوجوده الفاتن المغناطيسى المشاغب
كنت أبحث عنه طيلة اليوم في المستشفى التي نعمل بها سوياً، عند كل منعطف .. داخل كل غرفة اشعة، اترقب باب المصعد وهو ينفتح امامي، لعله يظهر ... اتمنى لو فقط لمحت طرفاً منه، هدباً من ثيابه الخضراء النظيفة والمكوية دائماً كما يليق بالنائب قِسم العظام للمستشفى
و في كل مرة اراه فيها .. تنحبس انفاسي قليلاً، تُسرِع ضربات قلبي .. قليلاً أيضاً
لقد تملكتني تماماً صورتنا معاً نتعانق في إحدى تلك الغرف المغلقة لقد امتلكني تماماً و تملّكني تماماً كل جزئٍ فيه
**دكتور عُمر، عامل ايه? **
فى لحظة من الصدق مع نفسى،لم اسأله عن حاله فقط، بل سألته ضمنياً عن 263 يوماً غاب فيهم عني، ومنعت نفسى بمعجزة ما من احتضانه، ان تلك الساعات المتأخرة من اليوم والجوع والإرهاق تجعل الناس اكثر صدقاً مع انفسهم، واكثر تهوراً!
تركت امامه قهوتي الساخنة ليشربها و يستدفئ
اننى أغرق فى الضياع،و أغرق فى ذكراه الضبابية،و أغرق فى اوراقي و الطعام الموضوع أمامي واللب والسوداني و دخان سيجارتينا الممزوج معاً في الهواء الراكد بيننا، أغرق فى تفاصيل عروق يديه البارزة و عنقه و أنفه الغاضب، و عطر جسمه الذي استنشقته بنهم لأعوام.
يداعبني عن غير عمد .... أو ربما عن عمد
مهلاً
اننى امتنع، و اتشدد، و اجمع شعرى المنتشر بشكل عشوائى، أغلق فتحة البالطو التي تركتها منذ الصباح، و ألملم أشيائي و اركض نحو غرفة الاستقبال ،واستعيد نفسى كالعادة وسط العمل الشاق الغير مُنتِج.
المشاعر والعلاقات والرتباطات والالتزامات والعائلة ....... كل هذا الهري سوف يجعلني أحرق أعصابي في المساء و أتقيأها صباحاً
لهذا, أسبابي في رفض العلاقات و الزواج و إنجاب الأطفال منطقية إلى حد مرعب
تباً .. هذا الرجُل يطيح اتزاني
يهددني بصُنع الذكريات طويلة المدى
ألعن الضعف اللحظى، و سقوط ذلك الغشاء المخملى المتشبع إفكاً، من فوق وعيى، وعيي الذى القنه كل يوم اننى قد تحررت، اننى ما عدت عصفورة فى قفصه الصدرى اطير فى هواء زفيره نافذ الصبر
افتح ملابسي مرة اخرى لأتخلص من الحرارة المفاجئة المنبعثة من عنقى رغم البرودة المحيطة،و أُجرى ترقيعاً لغشاء الانكار المخملى، ليرجع إلى مكانه الطبيعى: فوق وعيى.

مستشفى الحمام المركزي, ك 62 طريق الساحل
الإستقبال بالدور الأرضي
غرفة الإنعاش على اليسار مباشرة
الخميس 15-6-2018

الخميس، 28 يونيو 2018

نصف

عن قصيدة أنطون عياد .. الشاعر اللي بجد
بالصمت -نتيجة التكرار مثلاً- تعاقبه حنجرتي على ما لم يقل
((في تاريخ اللغة، الصمت كان السبّة الأولى))
في محاولة يائسة للتخلص من أثر مهدئ ليلة أمس
تعاقب يميني جسدي
كسيجارة سادية بيد شاعر مازوخي شفاف الوجه، عاري الأحلام
أبله
لا يجيد رقصة التانجو
يمل سريعا الكراسي الموسيقية
لأنني لم استوعب ان الحزن يولِّد قسوة القلب
و على بُعد امتار من جريمة قتل وحشية
احببته
بهذه البساطة والسهولة التي لا تُقنع دور النشر ولا خشب المسارح ولا شاشات السينما
تصفق له الكائنات الأليفة التي تألف غضبه
سمكة
و قِط
و كلبة سيئة الطبع
جمهور جيد من المقاعد الخاوية
يسمع مقطوعة موسيقية يونانية لأجل أن تتلقفه كي لا يسقط على الأرض و ينكسر
تماما كإله يسخر من خجل مخلوقه المختبئ من عريه
تخرج له الجدران الشفافة السنتها .. في صمت
تسأله إحدى الحوئط في حوارٍ لم يُنشر عن سبب اعتزاله الكتابة
فأجابها في كلمةٍ واحدة
الحُب -خطأ مطبعي- الألم
كان يعتقد ان عقدته فريدة من نوعها، لكنه عندما نظر في المرآة، فرّ هارباً
لماذا أطلب المستحيل .. سؤال ليس له إجابة
لم أحظى بمتسعٍ من الوقت لأخبرك كم كنت فاتناٌ في قميصك الأزرق بلون موسيقاك
أفكر في الأمر و أتمنى لو كنت اهديتك فنجاناً ازرق اللون
فنجان ليس له إخوة

الأحد، 17 يونيو 2018

الرجل طويل الأنف

 واحد .. اثنين .. ثلاثة
أعد الأسنان الباقية في فمي
عشرة، عشرون، ثلاثون، واحد و ثلاثون ... أعد عمري على أصابعي
كل إصبع عشرة أعوام
قطعت ثلاثة أصابِع
لم يؤلمني سوى الطاولة التي سقطت عليها الاجزاء المقطوعة
اثنين و ثلاثون، اربعون، خمسون، ستون، سبعون، ثمانون، تسعون ... مئة
سبعة أيام باقية من عمري

الأربعاء، 6 يونيو 2018

الفتى المدلل بين عاهرات الصيف : تناقض أخير

اليوم الثالِث .. صحراء الحلق ..
بابلو قصير لكنه أزرق العينين .. هذا تناقض
أنا لا اقوم بتضحيات، لا أجيدها حتى
المسألة أكبر منى، تعود إلى ضبط النفس و استعادة توازنها
لا اعني بالمعنى الساذج السلبي، بل ضبطها بمعايير دقيقة من كل شئ، مستوى منتقى من الخيارات والتصرفات والتمسك بأشياء والتخلي عن اخرى في سبيل مستوى معين من المتعة في حياتي، ولكلٍ متعته الخاصة
حرية الروح والعقل .. والجسم
أنا لست مزيفة، لكن صدقي مؤلم لذلك يزيفه البعض
لست عاهرة كذلك
بابلو يضع رأسه على قدمي -متى اتى جواري- و حينما يدرك انني لا انتبه يضع يده ايضاً، فأداعب رأسه بيدي بغير انتباه حقيقي
بابلو لديه شعر أبيض قصير
هكذا أنا، لا اجيد التضحيات ولا اجيد مراعاة احد
كذلك جلده مرقط .. تناقض آخر
على ضفاف الشاطئ علّقت قيثارتي
 ربما حين تذكرت ذلك المزمور وانساب صوتك بين البحر و بين دخان سجائرك و رائحتك تملأ العاصفة الجنوبية الدافئه و تتخلل جسدي : كيف نسبح تسبحة الرب فى أرض غريبة ؟ ، يومها نظرت فى عينيك المتسعتين كثقبٍ أسود يستحيل معرفة ابعاده، و تساءلت رغم عنى : كيف أفعل أنا هذا حتى لو طلبته أنت منى ؟
كيف أسبّح تسبحتك في أرضٍ غريبه
إن نسيتك يُنسى يميني، و يلتصق لساني بحنكي
تنفث دخان سيجاره من الفراش، تتأمل الفراغ، اكرهك حين تتجاهل شخصاً حياً لتتأمل الفراغ
هكذا يكرهني بابلو الآن، فيقف، و ينفض رائحتي عنه معلناً نهاية حاجته لي، و يذهب راكضاً محركاً زيله لشخصٍ آخر يجيد مداعبته
و اعود أنا حيث اخذتني

الثلاثاء، 5 يونيو 2018

الفتى المدلل بين عاهرات الصيف : متلازمة

اليوم الثانِ .. معي على الشاطئ الذي هربت اليه
فتاتان نروجيتين مثليتا التوجه الجنسي
يقضيان معظم الوقت في العناق والحديث خفيف الدم
معي ايضا .. امرأة روسية اتت هنا بمفردها مثلي
لكنها -لا ادري لماذا- تتحدث إلى نفسها كثيرا .. أكثر من المقبول في الواقع، و تشرب كوبين من الشاي، و تأكل شطيرتين من مربى التوت والزبد .. و تنام بمفردها ليلاً .. مثلي
يوجد كذلك اسرة بولندية كاملة، بلا زوج، فقط أم لطفلتين دائمتا الشكوى من أخٍ لهم لا يبدوا موجودا لكنه يتسبب في الكثير من المشاكل
هربت إلى هنا بعد نصيحة الطبيبة لي بأن ابتعد قليلاً عن التعاملات الكثيرة
اشتكى لها حبيبي الذي قرر الاختفاء فجأة من حياتي، بأنني اصبحت اتجاهل وجوده تماما كأنني لم اعد اراه
حسناً .. كيف اتجاهل ما هو ليس موجوداً
تقول الطبيبة انه على حق
و تقول ان هذا يبدوا منطقيا لأنني قلت لها انني لم ارى احدا في الخارج قبل ان اطرق الباب و هي تجزم ان هناك البواب، و الممرض، وزميلها الطبيب الشاب
تقول انني اصبت بمتلازمة عدم رؤية كل ما هو مؤذٍ
تقول ان قلبي معتل قليلاً
هراء .. العين هي التي ترى
و عيناي -كما قلت سابقاً- سليمتان

الجمعة، 1 يونيو 2018

الفتى المدلل بين عاهرات الصيف : نساء أخريات

مكتوبٌ على باب حجرتي (Hapiness is only real when shared) 
اليوم الأول، اجلس وحدي عند آخر الممشى، قبل الوصول إلى هنا عليك المرور باثنتي عشر من نساءٍ اخريات، طويلات، قصيرات، نحيفات، ذو صدور و مؤخرات ممتلئة، مختلف ألوان البشرة والسن، يرتدون ملابسهن ولا يرتدون، وحدهن او في مجموعات، يتحدثن الانجليزية بطلاقة والعربية بنصف فم
ترك كل هاؤلاء و وصل إلى آخر الممشى ليتحدث معي، رغم براعته في الانجليزية و انجذابه للنصف لكنة العربية
اعتقد بهذا يمكنني استبعاد ان جسمي هو ما يعجبه، على الارجح تشده روحي
و هذا اخطر بالطبع
الرجل الشرقي لا يتقبّل الرفض بروحٍ رياضية إذا كان ما يعجبه هو جسم المرأة، فيسعى إلى مضايقتها أو إلقاء أي شئ عليها
لكن إن اعجبته روحها فإنه يتقبّل الرفض بسلام نفس، و يحمل لها مشاعِر طيبة
و أنا لا اعرف شيئا عن التعامل مع المشاعر الطيبة
أفضّل لو ان يرميني احدهم بشئ أكثر صلابة لأنني تعودت ان اتفادى هذا منذ أن كانت أمي تقذف وجهي بالحجارة
رماني احدهم بحذاء، مر من جوار اذني ثم سقط على الأرض، ولم يصيبني شئ سوى بعض الوساوس
رماني آخر بكتاب من الكلمات الرديئة، فأصاب كتفي، آلمني ذلك بضع ساعات
اعتدت بعدها تفادي الأشياء الثقيلة
حينما رماني احدهم بقلبه .. طار ذلك عالياً لخقة وزنه، و اصابني في منتصف رأسي، وسقطت مغشية عليّ لأنني لا اعرف كيف احتفظ بتلك الأشياء الزلقة فوق جلدي