كنّا قد تكاثفنا تدريجياَ فوق الثلاثون فرداً في ممر الدكّة الضيق, ينزل الناس من أعلى لأن مساحة الدِكّة الرئيسية تستعد لاستقبال حدث جديد هذا الموسم, مُنشِد و مرنِم يشتركان في تسبيح الله على أنغام صوفية كيهكية
يقف الناس أمامي و خلفي في طابور طويل ممتلئ بالمنتظرين والمتظاهرين على طول فترة الانتظار .. وغيرهم ممن لفظهم الشارع فأتى ليشرب فنجاناً سريعاً من القهوة بغير ازعاج
لكن أحمد بحور الذي يعمل نادلاً في الدِكّة بشارع شامبلون بمدينة الاسكندرية, يقف فوق السلم عند الباب, يحاول السيطرة على العدد المتزايد, في نفس الوقت إرضاء سريعي الملل منهم, بالإضافة إلى كتابة الطلبات الجديدة, والحساب على القديمة قبل بداية الحدث
أحمد قد تذكر الآن أنه قد نسي - في غمرة ازدحام المكان - أن يخبئ صورة رسمها لفتاة تعجبه من مرتادي المكان نفسه, لقد تركها فوق مكتب مجلس الإدارة, سارة سوف تأتي بالتأكيد كعادتها كل يوم في نفس الميعاد, و سوف تبتسم في خُبث عندما تلاحظ انه يهتم بها كعادته ... لكنها ستثور بالطبع إذا رأت صورتها لأنه لم يُتقِن انحنائات وجهها فبدى طويلاً, ستغضب بالطبع لأنها لم تظهر بشكلٍ جيد, على عكس باقي لوحاته التي تغرق جدران المطبخ
و ماذا عساه ان يفعل, كانت لديه هذه العادة السيئة في افساد صور حبيباته ..
أحمد يفتقد وجود الأنثى في حياته فعلا, غير ان فتايات هذه الأيام لسن ( صامدات) كالائي كان يراهن يدخلن وسط الغاز المسيل للدموع و يخرجن منه كل يوم اكثر عزماً و إصراراً و يبتن في برد فبراير على الأرصفة أو في مداخل الأبنية ... يحملن معهن حقائب و اطعمة و يعدلون باستمرار كوفيات زرقاء سوداء و حمراء فوق وجوههم .. ثم ينفضون ملابساً يحرصن الا تكون مميزة, يقسم أحمد لنفسه ان صاحبة الهودي الأسود كانت تبتسم له كل يوم بين الرفاق,
أكان أسوداً أم أزرقاً !!
اثقل من تشتته هذا صوت انثوي قوي
- بعد إذنك ياحمد
انها دينا .. لقد تركها تمر للداخل, ليس لأنه كان يعلم انها على اتفاق مع اصحاب المكان .. بل لأنه لا يملك سوى أن يسمح لها بالمرور في اي مكانٍ شاءت, كما سمح لها قديماً بالمرور على قلبه مروراً خاطفاً كان له وقع العاصفة عليه ... انها دينا ذاتها, امتلئت قليلاً, تغيرت للأفضل, و زينت كفها اليمنى دبلة متقنة الصنع
كيف يسألها عن حالها, بل و كيف له أن يتحدث إليها عن أي شئ غير معرض التصوير الذي يستضيفه المكان على فترات متباعدة
قدراً اقتربت أو ابتعدت .. صدفة أصبحت لا أكثر
كانت دينا و مازالت, تحب التصوير .. تحمل كاميرات تصوير ديجيتال باحترافية من اعتادت على عملها , تدخل الدكة و تبدأ في رصهم على الطاولة المخصصة للعرض إلى جوار بعض الصور التي أخذتها هي بنفسها .. تلاحظ أحمد الذي يسترق النظرات اليها و ينسى الباب والدكة و من دكّ الدكة .. فتُجفِل .. تأتي هنا اساسا لأن السعر زاهد و المكان يخدم عملها في التصوير
لقد احبت هذا المجال منذ طفولتها, واتاحت لها أوضاع المدينة الفوضوية أن تصنع من هوايتها عملاً, خاصة انه عمل لا يعتمد على لغتها العربية الضعيفة, فهي تعمل في شركة أجنبية الأصل .. تعود دينا لتفرغ نتاج المعرض لصاحب العمل , تعيد مفاتيح السيارة الى صديقتها , تتصل بابراهيم على هاتفه المحمول ثم تجهض الاتصال في نصف عمره
يفهم ابراهيم الرساله فيبتسم و يغلق الرواية التي تلتهمه, يرتدي ملابسه سريعاً و ينزل متجهاً إليها ... وقع في غرامها سريعاً بعد فترة قصيرة جمعتهم في العمل, لكنه الآن يفكر ... كيف لم يلاحظ تلك الاختلافات بينهم .. كيف لم يلاحظ ان اعتمادها عليه في بعض الأشياء ليس سوى لجهلٍ منها, و انه لن يشعر معها بالشعور الشرقي الذي يتصلّب أمام تحررها واعتمادها على نفسها, تِلك المدللّة التي تعرف كل شئ و تفعل كل شئ
يحاول ان يثبت كفائة أعلى منها في العمل ... هذا مستحيل ...
لكن هذا ليس ذنبه !
يحاول الاتصال بكريم الذي اقنعه بدفع مبلغ من المال في مقابل تسويق منتجاته في ماحلات لبيع ادوات التصوير بالقاهرة, بعد محاولتين طويلتين رد كريم ثم اكد لابراهيم ان العيب في جودة المنتج نفسه و انه لن يستطيع التصرف الآن لأن فرعهم بالقاهرة قد اغلق أبوابه بالفعل .. و يعده كريم بحل المشكلة في نهاية الاسبوع القادم كحد اقصى
ينهي ابراهيم المكالمه باحباط بينما ينهيها كريم على عجل ... تبقت اقل من الساعه و تبدأ ورشة المسرح .. يفكر كريم في عصبية "أنا لن اتاجر الفن والموهبة بالمال" .. هذه خامس ورشة مسرح يبدأها , راجع سريعا ما يريد فعله
ضمّ أعضاء جُدد لفريقه المسرحي, الاهتمام بعمله لأنه يحتاج لرد ديونه, نجاحه في آخر سنة له في كلية الآداب بهدف الحصول على شهادة تُدعّم موقفه كبدايه لمشروع زواجه من روان
لا ينقص غير تجهيز الشقة و بعض التدريبات الروحيه على انتظام الصلاه , و التخلي عن كل المسكرات الاثيرة الى قلبه بحق . كريم الذي يعمل في احدى شركات التسويق يحب الشرب ( كعينيه ), شقته التي اشتراها لغرض الزواج, أصبحت مع الوقت لا تحوي سوى غرفة نوم و بار للمشروبات الروحية إياها, إلى جانب أكوام النفايات, احترقت غرفة النوم منذ يومين نتيجة ماس كهربائي بالتاكييف (هذا يجعل لدينا بار يتوسط كومة النفايات)
الحقيقه ان زهده في الخمر له شقان احدهما اقتصادي و الثاني عاطفي , روان التي لم تقبل الارتباط الا عندما وعدها الف وعد بالتخلي عما يغضبها , هذه الفتاة اجمل في نظره من ان يتركها لاجل زجاجة مايستر , كريم الذي وجد نفسه غارقا في حب ( البسكوته ) كما يطلق عليها زملائه في فريق المسرح, إبنة بلد بحق, تحمل اكثر بكثير من مقاومة عدة نزوات
اساسا ان يقنع امه التي من أصل تركي, وترى أن مصر لم تُنجِب من تستحق الفوز بوحيدها, بأن تسافر رغم ضعف عضلة القلب و تقزز نفسها الى الاسكندرية حيث يعيش اهل روان
كان في حكم المستحيل, لن تقبل الست هيام ان يناسب ابنها بشراً لا يحوي بيتهم حديقة و يقفون بأنفسهم لطهي الطعام , غير ان روان في الحقيقه كانت ذات تأثير اقوى من ان يقاوم .. شعرت الست هيام في قلبها فجأة بما شعر ابنها من حب لهذا الكائن الرقيق, الجميل, الأصيل في طبعه , وافقت على مضض, لكنها وافقت .. ايفسد كريم الامر بعد كل هذا من اجل الخمر؟؟
فعاهد الله و خالها الا يقرب ما يذهب العقل , وان يعرف الله اكثر..
نظر محمد في عينيه وقال بكل ما استطاع جمعه من حكمة "يا كريم احنا بنشتري راجل , وأهم حاجة في الراجل انه يكون قد المسؤلية, انا كل يوم و التاني في محطة الرمل .. روان دي زي بنتي, و بيتك مفتوح لي وحانقعد مع بعض لحد ما اتأكد انك جدع زي بنت اختي
نجح كريم بصعوبه في اخفاء حنقه, غير انه قبل كلام محمد في النهايه .. لكن ما لا يعرفه كريم هو ان محمد يكذب, فبيت أحمد بحور في محطة الرمل, اكثر انفتاحا و سُكراً ..
محمد, العاطل, عديم المسؤلية, يقضِ في بيت أحمد وقتاً اكثر مما يقضيه في بيته, و يعتبر أحمد الذي زادت مسؤلياته بعد عمله في الدكة اكثر من اخ .. نزلا المظاهرات سوياً .. عملا سويا في فندق بجنوب سينا .. اكتشفا المايستر معا .. ثم دلهم شيطان شاب الى طريق البلاك لابل و البراندي و زجاجات عمر الخيام الكبيره المخصوصه للمناسبات.. كان أحمد زبوناً عاديا بالدكة قبل أن يبدأ العمل بها, و هو يصغر محمد بقرابة العشرة أعوام, كانا يجتمعان هناك و يستمران في مناقشات كثيرة هي التي بقيت لهم من الوطن بعد انتهاء الثورة
كانا يستغلان الدكة كملجأ يومي يشبههم و يشبهونه, بسيط, هادئ, مريح, يقضي فيه وقتاً طويلاً يومياً بحجة العمل, الفكره هي ان يبث الطمئنينة في قلب اخته و بنتاها اللاتي ينتظرن عدلهن .. كانت روان بتعليمها وجمالها وخفة طبعها .. الأقل اثارة لقلق العنوسه
فاتح محمد, أحمد ذات ليلة أنس في ان يتزوج إسراء التي تلي روان عمرا .. غير ان أحمد الذي مسته الثورة, فأغلقت قلبه الى الابد , أحمد الذي اعتاد على الابتسامات الجريئة و ( الشقاوه ) في عيون الفتاة ذات الهودي الأسود .. لم تتصور روحه بسهوله الحياة مع فتاة قد ترتبك عندما تعرف انه لا يجد عملاً .. انهى أحمد الحوار باخراج ورقه مفرودة بعنايه من حقيبته الضئيلة .. وضعها بحرص امام وجه محمد لتظهر عليهاصورة غير متقنة رسمها لفتاة يخبأ وجهها الطويل خصل من الشعر الأسود .. ابتسم محمد بسعاده بينما تمتم بسخريه "أنا بكلمك عن الجواز ياحمد"
الآن أحمد بحور يفكر في دينا ثم في وجه سارة ساعة تجد صورتها فوق مكتب مجلس الادارة .. و انا - بعد أن لفظتني حساسيات كثيرة في الأمام - أجلس على دِكّة في اخر صف المنتظرين, اكتشف ان المنديل الذي يربطه توباك كان أزرق اللون, و أن هذا اللون الأبيض الرديئ يذكرني بسالم, الإبن الأكبر ذو الثمانية أعوام لجمعة بواب عمارتنا بمنطقة كامبشيزار الذي يرفع فانلته القطنية فوق رأسه دائماً, متجاهلاً تحزيرات أم سالم بالانكفاء على وجهه أو اهتراء الفانلة كَـ شرٍ أعظم

